محمد بن جرير الطبري

169

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

القائل : قمت وقعدت ، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام ، لان الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفا لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها ، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين ، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدم وأيهما المتأخر . فلما وصفنا قلنا إن قوله : ولقد خلقناكم ثم صورناكم لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا . فإن ظن ظان أن العرب إذا كانت ربما نطقت ب ثم في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم : سألت ربيعة من خيرها * أبا ثم أما فقالت لمه بمعنى : أبا وأما ، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره ، فإن ذلك بخلاف ما ظن وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب ، وغير جائز توجيه شئ منه إلى الشاذ من لغاتها وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف . وقد وجه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم ، وزعم أن معنى ذلك : ولقد خلقناكم ، ثم قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم ، ثم صورناكم . وذلك غير جائز في كلام العرب ، لأنها لا تدخل ثم في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر ، وإن كانوا قد يقدمونها في الكلام ، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير ، وذلك كقولهم : قام ثم عبد الله عمرو فأما إذا قيل : قام عبد الله ثم قعد عمرو ، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله ، إذا كان الخبر صدقا ، فقول الله تبارك وتعالى : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا نظير قول القائل : قام عبد الله ثم قعد عمرو في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل . وأما قوله : للملائكة اسجدوا لآدم فإنه يقول جل ثناؤه : فلما صورنا آدم وجعلناه خلقا سويا ، ونفخنا فيه من روحنا ، قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم ، ابتلاء منا واختبارا لهم بالأمر ، ليعلم الطائع منهم من العاصي فسجدوا يقول : فسجد الملائكة إلا إبليس فإنه لم يكن من الساجدين لآدم حين أمره الله مع من أمر من سائر الملائكة غيره بالسجود . وقد بينا فيما مضى المعنى الذي من أجله امتحن جل جلاله ملائكته بالسجود لآدم ، وأمر إبليس وقصصه ، وبما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :